فصل: تابع

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ الجبرتي المسمى بـ «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» **


 ولما فرغوا من ذلك اشتغلوا بأمر ساري عسكرهم المقتول وذلك بعد موته بثلاثة أيام كما ذكر ونصبوا مكانه عبد الله جاك منو ونادوا ليلة الرابع من قتلته وهي ليلة الثلاثاء خامس عشرين المحرم في المدينة بالكنس والرش في جهات حكام الشرطة فلما أصبحوا اجتمع عساكرهم وأكابرهم وطائفة عينها القبط والشوام وخرجوا بموكب مشهده ركبانًا ومشاة وقد وضعوه في صندوق من رصاص مسنم الغطاء ووضعوا ذلك الصندوق على عربة وعليه برنيطته وسيفه والخنجر الذي قتل به وهو مغموس بدمه وعملوا على العربة أربعة بيارق صغار في أركانها معمولة بشعر أسود ويضربون بطبولهم بغير الطريقة المعتادة وعلى اطبول خرق سود والعسكر بأيديهم البنادق وهي منكسة الى أسفل وكل شخص منهم معصب ذراعه بخرقة حرير سوداء ولبسوا ذلك الصندوق بالقطيفة السوداء وعليها قصب مخيش وضربوا عند خروج الجنازة مدافع وبنادق كثيرة وخرجوا من بيت الأزبكية على باب الخرق الى درب الجماميز الى جهة الناصرية فلما وصلوا الى تل العقارب حيث القلعة التي بنوها هناك ضربوا عدة مدافع وكانوا أحضروا سليمان الحلبي والثلاثة المذكورين فأمضوا فيهم ما قدر عليهم ثم ساروا بالجنازة الى أن وصلوا باب قصر العيني فرفعوا ذلك الصندوق ووضعوه على علوة من التراب يوسط تخشيبة صنعوها وأعدوها لذلك وعملوا حولها درابزين وفوقه كساء أبيض وزرعوا حوله أعواد سرو ووقف عند بابها شخصان من العسكر ببنادقهما ملازمان ليلًا ونهارًا يتناوبان الملازمة على الدوام وانقضى أمره واستقر عوضه في السر عسكرية قائمقام عبد الله جاك منو وهو الذي كان متوليًا على رشيد من قدومهم وقد كان أظهر أنه أسلم وتسمى بعبد الله وتزوج بامرأة مسلمة وقلدوا عوضه في قائمقامية بليار فلما أصبح ثاني يوم حضر قائمقام والآغا الى الأزهر ودخلا إليه وشقا في جهاته وأروقته وزواياه بحضرة المشايخ‏.‏

وفي يوم الخميس حضر ساري عسكر عبد الله جاك منو وقائمقام لو الآغا وطافوا به أيضًا وأرادوا حفر أماكن للتفتيش على السلاح ونحو ذلك ثم ذهبوا فشرعت المجاورون به في نقل أمتعتهم منه ونقل كتبهم وإخلًا الأروقة ونقلوا الكتب المرقوفة بها الى أماكن خارجة عن الجامع وكتبوا أسماء المجاورين في ورقة وأمروهم أن لا يبيت عندهم غريب ولا يؤوا إليهم آفاقيًا مطلقًا وأخرجوا منه المجاورين من طائفة الترك ثم أن الشيخ الشرقاوي والمهدي والصاوي توجهوا في عصريتها عند كبير الفرنسيس منو واستأذنوه في قفل الجامع وتسميره فقال بعض القبطة الحاضرين للأشياخ وهذا لا يصح ولا يتفقهذا لا يصح ولا يتفق فحنق عليه الشيخ الشرقاوي وقل اكفونا شر دسائسكم يا قبطة وقصد المشايخ من ذلك منع الريبة فإن للأزهر سعة لا يمكن الإحاطة بمن يدخله فربما دس العدو من يبيت به واحتج بذلك على إنجاز غرضه ونبل مراده من المسلمين والفقهاء ولا يمكن الاحتراس من ذلك فإذن كبير الفرنسيي بذلك لما فيه من موافقة غرضه باطنًا فلما أصبحوا قفلوه وسمروا أبوابه من سائر الجهات‏.‏

وفي غايته جمعوا الوجاقلية وأمروهم بإحضار ما عندهم من الأسلحة فأحضروا ما أحضروه فشددوا عليهم في ذلك فقالوا لم يكن عندنا غير الذي أحضرناه فقالوا وأين الذي كنا نرى لمعانه عند متاريسكم فقالوا تلك أسلحة العساكر العثمانية والأجناد المصرية وقد سافروا بها‏.‏ واستهل

 

شهر صفر بيوم الثلاثاء سنة 1215

في أوائله سافر بعض الأعيان من المشايخ وغيرهم الى بلاد الأرياف بعيالهم وحريمهم وبعض بعث حريمه وأقام هو مسافر الشيخ محمد الحريري وصحب معه حريم الشيخ السحيمي وصهره الشيخ المهدي فلما رآهم الناس عزم الكثير منهم على الرحلة وأكثروا المراكب والجمال وغير ذلك فلما أشيع ذلك كتب الفرنسيس أوراقًا ونادوا في الأسواق بعدم انتقال الناس ورجوع المسافرين ومن لم يرجع بعد خمسة عشر يومًا نهبت داره فرجع أكثر الناس ممن سافر أو عزم على السفر إلا من أخذ له ورقة بالإذن من مشاهير الناس أو احتج بعذر كائن في خدمة لهم أو قبض خراج أو مال أو غلال من التزامه‏.‏

وفيه قرروا فردة أخرى وقدرها أربعة ملايين وقدر المليون مائة وستة وثمانون ألف فرانسة وكان الناس ما صدقوا قرب تمام الفردة الأولى بعدما قاسوا من الشدائد ما لا يوصف ومات أكثرهم في الحبوس وتحت العقوبة وهرب الكثير منهم وخرجوا على وجوههم الى البلاد ثم دهوا بهذه الداهية أيضًا فقرروا على العقار والدور مائتي ألف فرانسة وعلى الملتزمين مائة وستين ألفًا وعلى التجار مائتي ألف وعلى أرباب الحرف المستورين ستين ألفًا وأسقطوا في نظير المنهوبات مائة ألف وقسموا البلدة ثمانية أخطاط وجعلوا على كل خطة منها خمسة وعشرين ألف ريال ووكلوا بقبض ذلك مشايخ الحارات والأمير الساكن بتلك الخطة مثل المحتسب بجهة الحنفي وعمر شاه وسويقة السباعين ودرب الحجر ومثل ذي الفقار كتخدا جهة المشهد الحسيني وخان الخليلي والغورية والصنادقية والأشرفية وحسن كاشف جهة الصليبة والخليفة وما في ضمن كل من الجهات والعطف والبيوت فشرعوا في توزيع ذلك على الدور الساكنة وغير الساكنة وقسموها عال وأوسط ودون وجعلوا العال ستين ريالًا والوسط أربعين والدون عشرين ويدفع المستأجر قدر ما يدفع المالك والدار التي يجدونها مغلقة وصاحبها غائب عنها يأخذون ما عليها من جيرانها‏.‏

وفي سادس عشرينه أفرجوا عن الشيخ السادات ونزل الى بيته بعد أن غلق الذي تقرر عليه واستولوا على حصصه وأقطاعه وقطعوا مرتباته وكذلك جهات حريمه والحصص الموقوفة على زاوية أسلافه وشرطوا عليه عدم الاجتماع بالناس وأن لا يركب بدون إذن منهم ويقتصد في أمور معاشه ويقلل أتباعه‏.‏

شهر ربيع الأول سنة 1215 فيه نادوا على الناس الخارجين من مصر من خوف الفردة وغيرها بأن من لم يحضر من بعد اثنين وثلاثين يومًا من وقت المناداة نهبت داره وأحيط بموجوده وكان من المذنبين واشتد الأمر بالناس وضاقت منافسهم وتابعوا نهب الدور بأدنى شبهة ولا شفيع تقبل شفاعته أو متكلم تسمع كلمته واحتجب ساري عسكر عن الناس وامتنع من مقابلة المسلمين وكذلك عظماء الجنرالات وانحرفت طباعهم عن المسلمين زيادة عن أول واستوحشوا منهم ونزل بالرعية الذل والهوان وتطاولت عليهم الفرنساوية وأعوانهم وأنصارهم من نصارى البلد الأقباط والشوام والأروام بالإهانة حتى صاروا يأمرونهم بالقيام إليهم عند مرورهم ثم شددوا في ذلك حتى كان إذا مر بعض عظمائهم بالشارع ولم يقم إليه بعض الناس على أقدامه رجعت إليه الأعوان وقبضوا عليه وأصعدوه الى الحبس بالقلعة وضربوه واستمر عدة أيام في الاعتقال ثم يطلق بشفاعة بعض الأعيان‏.‏

وفيه أنزلوا مصطفى باشا من الحبس وأهدوا إليه هدايا وأمتعة وأرسلوه الى دمياط فأقام بها أيامًا وتوفي الى رحمة الله تعالى‏.‏

شهر ربيع الثاني سنة 1215 فيه اشتد أمر المطالبة بالمال وعين لذلك رجل نصراني قبطي يسمى شكر الله فنزل بالناس منه ما لا يوصف فكان يدخل الى دار أي شخص كان لطلب المال وصحبته العسكر من الفرنساوية والفعلة وبأيديهم القزم فيأمرهم بهدم الدار إن لم يدفعوا له المقرر وقت تاريخه من غير تأخير الى غير ذلك وخصوصًا ما فعله ببولاق فإنه كان يحبس الرجال مع النساء ويدخن عليهم بالقطن والمشاق وينوع عليهم العذاب ثم رجع الى مصر يفعل كذلك‏.‏

وفيه أغلقوا جميع الوكائل والخانات على حين غفلة في يوم واحد وختموا على جميعها ثم كانوا يفتحونها وينهبون ما فيها من جميع البضائع والأقمشة والعطر والدخان خانًا بعد خان فإذا فتحوا حاصلًا من الحواصل قوموا ما فيه بما أحبوا بأبخس الأثمان وحسبوا غرامته فإن بقي لهم شيء أخذوه من حاصل جاره وإن زاد له شيء أحالوه على جاره الآخر كذلك وهكذا ونقلوا البضائع على الجمال والحمير والبغال وأصحابها تنظر وقلوبهم تتقطع حسرة على مالهم وإذا فتحوا مخزنًا دخله أمناؤهم ووكلاؤهم فيأخذون من الودائع الخفيفة أو الدراهم وصاحب المحل لا يقدر على التكلم بل ربما هرب أو كان غائبًا‏.‏

وفيه حرروا دفاتر العشور وأحصوا جميع الأشياء الجليلة والحقيرة ورتبوها بدفاتر وجعلوها أقلامًا يتقلدها من يقوم بدفع مالها المحرر وجعلوا جامع أزبك الذي بالأزبكية سوقًا لمزاد ذلك بكيفية يطول شرحها وأقاموا على ذلك أيامًا كثيرة يجتمعون لذلك في كل يوم ويشترك الإثنان فأكثر في القلم الواحد وفي الأقلام المتعددة‏.‏

وفيه كثر الهدم في الدور وخصوصًا في دور الأمراء ومن فر من الناس وكذلك كثر الاهتمام بتعمير القلاع وتحصينها وإنشاء قلاع في عدة جهات وبنوا بها المخازن والمساكن وصهاريج الماء وحواصل الجبخانات حتى ببلاد الصعيد القبلية‏.‏

والأمور من أنواع ذلك تتضاعف والظلومات تتكاثف وشرعوا في هدم أخطاط الحسينية وخارج باب الفتوح وباب النصر من الحارات والدور والبيوت والمساكن والمساجد والحمامات والحوانيت والأضرحة فكانوا إذا دهموا دارًا وركبوها للهدم لا يمكنون أهلها من نقل متاعهم ولا أخذ شيء من أنقاض دارهم فينهبونها ويهدمونها وينقلون الأنقاض النافعة من الأخشاب والبلاط الى حيث عمارتهم وأبنيتهم وما بقي يبيعون منه ما أحبوا بأبخس الأثمان ولوقود النيران وما بقي من كسارات الكشاب يحزمه الفعلة حزمًا ويبيعونه على الناس بأغلى الأثمان لعدم حطب الوقود ويباشر غالب هذه الأفاعيل النصارى البلدية فهدم للناس من الأملاك والعقار ما لا يقدر قدره وذلك مع مطالبتهم بما قرر على أملاكهم ودورهم من الفردة فيجتمع على الشخص الواحد النهب والهدم والمطالبة في آن واحد وبعد أن يدفع ما على داره أو عقاره وما صدق أنه غلق ما عليه إلا وقد دهموه بالهدم فيستغيث فلا يغاث فترى الناس سكارى وحيارى ثم بعد ذلك كله يطالب بالمنكسر من الفردة وذلك أنهم لما قسموا الأخطاط كما تقدم وتولى ذلك أمير الخطة وشيخ الحارة والكتبة والأعوان وزعوا ذلك برأيهم ومقتضي أغراضهم فأول ما يجتمعون بديوانهم يشرع الكتبة في كتابة التنابيه وهي أوراق صغار باسم الشخص والقدر المقرر عليه وعلى عقاره بحسب اجتهادهم ورأيهم وعلى هامشها كراء طريق المعينين ويعطون لكل واحد من أولئك القواسة عدة من تلك الأوراق فقبل أن يفتح الإنسان عينيه ما يشعر إلا والمعين واقف بابه وبيده ذلك التنبيه فيوعدوه حتى ينظر في حاله فلا يجد بدًا من دفع حق الطريق فما هو إلا أن يفارقه حتى يأتيه المعين الثاني بتنبيه آخر فيفعل معه كالأول وهكذا على عدد الساعات فإن لم يوجد المطلوب وقف ذلك القواس على داره ورفع صوته وشتم حريمه أو خادمه فيسعى الشخص جهده حتى يغلق ما تقرر عليه بشفاعة ذي وجاهة أو نصراني وما يظن أنه خلص إلا والطلب لاحقه أيضًا بمعين وتنبيه فيقول ما هذا فيقال له إن الفردة لم تكمل وبقي منها كذا وكذا وجعلنا على العشرة خمسة أو ثلاثة أو ما سولت لهم أنفسهم فيرى الشخص أن لابد من ذلك فما هو إلا أن خلص أيضًا إلا وكرة أخرى وهكذا أمرًا مستمرًا ومثل ذلك ما قرر على الملتزمين فكانت هذه الكسورات من أعظم الدواهي المقلقة ونكسات الحمى المطبعة‏.‏

وفي خامسه كان عيد الصليب وهو انتقال الشمس لبرج الميزان والاعتدال الخريفي وهو أول سنة الفرنسيس وهي السنة التاسعة من تاريخ قيامهم ويسمى عندهم هذا الشهر وندميير وذلك يوم عيدهم السنوي فنادوا بالزينة بالنهار والوقدة بالليل وعملوا شنكات ومدافع وحراقات ووقدات بالأزبكية والقلاع وخرجوا صبح ذلك اليوم بمواكبهم وعساكرهم وطبولهم وزمورهم الى خارج باب النصر وعملوا مصافهم فقرئ عليهم كلام بلغتهم على عادتهم وكأنه مواعظ حربية ثم رجعوا وفي هذه السنة زاد النيل زيادة مفرطة لم يعهد مثلها فيما رأينا حتى انقطعت الطرقات وغرقت البلدان وطف الماء من بركة الفيل وسال الى درب الشمسي وكذلك حارة الناصرية وسقطت عدة دور من المطلة على الخليج ومكث زائدًا الى آخر توت‏.‏

واستهل شهر جمادى الثانية سنة 1215 فيه قرروا على مشايخ البلدان مقررات يقومون بدفعها في كل سنة أعلى وأوسط وأدنى فالأعلى وهو ما كانت بلده ألف فدان فأكثر خمسمائة ريال والأوسط وهو ما كانت خمسمائة فأزيد ثلثمائة ريال والأدنى مائة وخمسون ريالًا وجعلوا الشيخ سليمان الفيومي وكيلًا في ذلك فيكون عبارة عن شيخ المشايخ وعليه حساب ذلك وهو من تحت يد الوكيل الفرنساوي الذي يقال له بريدون فلما شاع ذلك ضجت مشايخ البلاد لأن منهم من لا يملك عشاءه فاتفقوا على أن وزعوا ذلك على الأطيان وزادت في الخراج واستملوا البلاد والكفور من القبطة فأملوها عليهم حتى الكفور التي خربت من مدة سنين بل سموا أسماء من غير مسميات‏.‏

وفيه شرعوا في ترتيب الديوان على نسق غير الأول من تسعة أنفار فيه خصوصي وعمومي على ما سبق شرحه بل هو ديوان واحد مركب من الشيخ الأمير والشيخ الصاوي وكاتبه والشيخ موسى السرسي والشيخ تسعة رؤساء هم الشيخ الشرقاوي رئيس الديوان والمهدي كاتب السر خليل البكري والسيد علي الرشيدي نسي ساري عسكر والشيخ الفيومي والقاضي الشيخ اسمعيل الزرقاني وكاتب سلسلة التاريخ السيد اسمعيل الخشاب والشيخ علي كاتب عربي وقاسم أفندي كاتب رومي وترجمان كبير القس رفائيل وترجمان صغير الياس فخر الشامي والوكيل الكمثاري فوريه ويقال له مدبر سياسة الأحكام الشرعية ومقدم وخمسة قواسة متعممين لا غير وليس فيهم قبطي ولا وجاقلي ولا شامي ولا غير ذلك وليس واختاروا لذلك بيت رشوان بك الذي بحارة عابدين وكان يسكنه برطلمان فانتقل منه الى بيت الجلفي بالخرنفش وعمر وبيض وفرشت قاعة الحريم بمجلس الديوان فرشًا فاخرًا وعينوا عشر جلسات في كل شهر وانتقل إليها فوريه وسكنها بأتباعه وأعدوا للمترجمين والكتبة من الفرنساوية مكانًا خاصًا يجلسون به في غير وقت الديوان على الدوام لترجمة أوراق الوقائع وغيرها وجعلوا لها خزائن للسجلات وفتحوا أيضًا بجانبها دارًا نفذوها إليها وشرعوا في تعميرها وتأنيقها وسموها بمحكمة المتجر وأخذوا يرتبون أنفارًا من تجار المسلمين والنصارى يجلسون بها للنظر في القضايا المتعلقة بقوانين التجار والكبير على ذلك كله فوريه ولم يتم ذلك المكان الثاني‏.‏

وفي خامس عشره شرعوا في جلسة الديوان وصورته أنه إذا تكامل حضور المشايخ يخرج إليهم الوكيل فوريه وصحبته المترجمون فيقومون له فيجلس معهم ويقف الترجمان الكبير رفائيل ويجتمع أرباب الدعاوى فيقفون خلف الحاجز عند آخر الديوان وهو من خشب مقفص وله باب كذلك وعنده الجاويش يمنع الداخلين خلاف أرباب الحوائج ويدخلهم بالترتيب الأسبق فالأسبق فيحكي صاحب الدعوة قضيته فيترجمها له الترجمان فإن كانت من القضايا الشرعية فإما أن يتمها قاضي الديوان بما يراه العلماء أو يرسلوها الى القاضي الكبير بالمحكمة إن احتاج الحال فيها الى كتابة حجج أو كشف من السجل وإن كانت من غير جنس القضايا الشرعية كأمور الالتزام أو نحو ذلك يقول الوكيل ليس هذا من شغل الديوان فإن ألح على أرباب الديون في ذلك يقول اكتبوا عرضًا لساري عسكر فيكتب الكاتب العربي والسيد اسمعيل يكتب عنده في سجله كل ما قال المدعى عليه وما وقع في ذلك من المناقشة وربما تكلم قاضي الديوان في بعض ما يتعلق بالأمور الشرعية ومدة الجلسة من قبيل الظهر بنحو ثلاث ساعات الى الأذان أو بعده بقليل بحسب الاقتضاء ورتبوا لكل شخص من مشايخ الديوان التسعة أربعة عشر ألف فضة في كل شهر عن كل يوم أربعمائة نصف فضة وللقاضي والمقيد والكاتب العربي والمترجمين وباقي الخدم مقادير متفاوتة تكفيهم وتغنيهم عن الارتشاء وفي أول جلسة من ذلك اليوم عملت المقارعة لرئيس الديوان وكاتب السر فطلعت للشرقاوي والمهدي على عادتهما وكذلك الجاويشية والترجمان وكتبت تذكرة من أهل الديوان خطًا بالساري عسكر يخبرونه فيها بما حصل من تنظيم الديوان وترتيبه وسر الناس بذلك لظنهم أنه انفتح لهم باب الفرج بهذا الديوان ولما كانت الجلسة الثانية ازدحم الديوان بكثرة الناس وأتوا إليه من كل فج يشكون‏.‏

وفي ثالث عشرينه أمروا بجمع الشحاذين أي السؤال بمكان وينفق عليهم نظار الأوقاف‏.‏

وفيه أيضًا أمروا بضبط إيراد الأوقاف وجمعوا المباشرين لذلك وكذلك الرزق الأحباسية والأطيان المرصدة على مصالح المساجد والزوايا وأرسلوا بذلك الى حكام البلاد والأقاليم‏.‏

وفي غايته حضر رجل الى الديوان مستغيث بأهله وإن قلق الفرنسيس قبض على ولده وحبسه عند قائمقام وهو رجل زيات وسبب ذلك أن امرأة جاءت إليه لتشتري سمنًا فقال لها لم يكن عندي سمن فكررت عليه حتى حنق منها فقالت له كأنك تدخره حتى تبيعه على العثملي تريد بذلك السخرية فقال لها نعم رغمًا عن أنفك وأنوف الفرنسيس فنقل عنه مقالته غلام كان معها حتى أنهوه الى قائمقام فأحضره وحبسه ويقول أبوه أخاف أن يقتلوه فقال الوكيل لا لا يقتل بمجرد هذا القول وكن مطمئنًا فإن الفرنساوية لا يظلمون كل هذا الظلم فلما كان في اليوم الثاني قتل ذلك الرجل ومعه أربعة لا يدري ذنبهم وذهبوا كيوم مضى‏.‏

والطلب والنهب والهدم مستمر ومتزايد وأبرزوا أوامر أيضًا بتقرير مليون على الصنائع والحرف يقومون بدفعه في كل سنة قدره مائة ألف وستة وثمانون ألف ريال فرانسة ويكون الدفع على ثلاث مرات كل أربعة أشهر يدفع من المقرر الثلث وهو إثنان وستون ألف فرانسة فدهى الناس وتحيرت أفكارهم واختلطت أذهانهم وزادت وساوسهم وأشيع أن يعقوب القبطي تكفل بقبض ذلك من المسلمين ويقلد في ذلك شكر الله وأضرابه من شياطين أقباط النصارى واختلفت الروايات فقيل إن قصده أن يجعلها على العقار والدور وقيل بل قصده توزيعها بحسب الفردة وذلك عشرها لأن الفردة كانت عشرة ملايين فالذي دفع عشرة يقوم بدفع واحد على الدوام والاستمرار ثم قيدوا لذلك رجلًا فرنساويًا يقال له دناويل وسموه مدبر الحرف فجمع الحرف وفرض عليهم كل عشرة أربعة فمن دفع عشرة في الفردة يدفع أربعة الآن فعورض في ذلك بأن هذا غير منقول فقال هذا باعتبار من خرج من البلد ومن لم يدخل في هذه الفردة كالمشايخ والفارين فإن الذي جعل عليهم أضيف على من بقي فاجتمع التجار وتشاوروا فيما بينهم في شأن ذلك فرأوا أن هذا شيء لا طاقة للناس به من وجوه الأول وقف الحال وكساد البضائع وانقطاع الأسفار وقلة ذات اليد وذهاب البقية التي كانت في أيدي الناس في الفرد والدواهي المتتابعة الثاني أن الموكلين بالفردة السابقة وزعوا على التجار والمتسببين وكل من كان له اسم في الدفتر من مدة سنين ثم ذهب ما في يده وافتقر حاله وخلا حانوته وكيسه فألزموه بشخص من ذلك وكلفوه به وكتب اسمه في دفتر الدافعين ويلزم ما يلزمهم وليس ذلك في الإمكان الثالث أن الحرفة التي دفعت مثلًا ثلاثين ألفًا يلزمها ثلاث آلاف في السنة على الرأي الأول وعلى الثاني اثنا عشر ألفًا وقد قل عددهم وغلقت أكثر حوانيتهم لفقرهم وهجاجهم وخصوصًا إذا ألزموا بذلك المليون فيفر الباقي ويبقى من لا يمكنه الفرار ولا قدرة للبعض بما يلزم الكل‏.‏

وفيه أمر الوكيل بتحرير قائمة تتضمن أسماء الذين تقلدوا قضاء البلاد من طرف القاضي والذين لم يتقلدوا وأخبر أن السر في ذلك أن مناصب الأحكام الشرعية استقر النظر فيها له وأنه لابد من استئناف ولايات القضاة حتى قاضي مصر بالقرعة من ابتداء سنة الفرنساوية ويكتب لمن تطلع له القرعة تقليد من ساري عسكر الكبير فكتبت له القائمة كما أشار‏.‏

وفي رابعه قتل جماعة بالرميلة وغيرها ونودي عليهم هذا جزاء من يتداخل في الفرنسيس والعثملي‏.‏

وفي سادسه عملت القرعة على طهابل زاد تكرارها ثلاث مرات لقاضي مصر واستقرت للعريشي على ما هو عليه وخرج له التقليد بعد مدة طويلة‏.‏

وفي ثامنه قتل غلام وجارية بباب الشعرية ونودي عليهما هذا جزاء من خان وغش وسعى وفي تاسعه حضر جماعة من الوجاقلية الى الديوان وهم يوسف باشا جاويش ومحمد آغا سليم كاتب الجاويشية وعلي آغا يحيى باشجاويش الجراكسة ومصطفى آغا أبطال ومصطفى كتخدا الرزاز وذكروا أنهم كانوا تعهدوا بباقي الفردة المطلوبة من الملتزمين وقدرها خمسة وعشرين ألف ريال وقد استدانوا لذلك قدرًا من البن بخمسة وثالثين ألف ريال فرانسة ليوفوا ما عليهم من الديون وأنهم أرسلوا الى حصصهم يطالبون الفلاحين بما عليهم من الخراج فامتنع الفلاحون من الدفع وأخبروا أن الفرنساوية خرجوا عليهم ومنعوهم من دفع المال للملتزمين فكتب لهم عرض حال في شأن ذلك وأرسل الى ساري عسكر ولم يرجع جوابه‏.‏

وفي رابع عشره صنع الجرنال بليار المعروف بقائمقام عزومة لمشايخ الديوان والوجاقلية وأعيان التجار وأكابر نصارى القبط والشوام ومد لهم أسمطة حافلة وتعشوا عنده ثم ذهبوا الى بيوتهم‏.‏

وفي ثاني عشرينه طيف بامرأتين في شوارع مصر بين يدي الحاكم ينادي عليهما هذا جزاء من يبيع الأحرار وذلك أنها باعتا امرأة لبعض نصارى الأروام بتسعة ريالات‏.‏

وفيه طلب الخواجة الفرنسيسي المعروف بموسى كافو من الوجاقلية بقية الفردة المتقدم ذكرها فأجابوا بأن سبب عجزهم عن غلاقها توقف الفلاحين عن دفع المال بأمر الفرنساوية وعدم تحصيلهم المال من بلادهم ثم أحيلوا بعد كلام طويل على استيفاء الخازندار لأن ذلك من وظائفه وفي سابع عشرينه حضر الوجاقلية ومعهم بعض الأعيان وحريمات ملتزمات يستغيثون بأرباب الديوان ويقولون إنه بلغنا أن جمهور الفرنساوية يريدون وضع أيديهم على جميع الالتزام المفروج عنه الذي دفعوا حلوانه ومغارمه ولا يرفع أيدي الملتزمين عن التصرف في الالتزام جملة كافية وقد كان قبل ذلك أنهى الملتزمون الذين لم يفرجوا لهم عن حصصهم إما لفرارهم وعودهم بالأمان وإما لقصر أيديهم عن الحلوان وإما لشراقي بلادهم وإما لانتظارهم الفرج وعود العثمانيين فيتكرر عليهم الحلوان والمغارم فلما طال المطال وضاق حال الناس عضروا أمرهم وطلبوا من مراحم الفرنساوية الإفراج عن بعض ما كان بأيديهم ليتعيشوا به ووقع في ذلك بحث طويل ومناقشات يطول شرحها ثم ما كفى حتى بلغهم أن القصد نزع المفروع عنه أيضًا ونزع أيدي المسلمين بالكلية وأنهم يستشفعون بأهل الديوان عند ساري عسكر بأن يبقى عليهم التزامهم يتعيشون به ويقضون ديونهم التي استدانوها في الحلوان ومغارم الفردة فقال فوريه الوكيل هل بلغكم ذلك من طريق صحيح فقالوا نعم بلغنا من بعض الفرنساوية وقال الشيخ خليل البكري وأنا سمعته من الخازندار وقال الشيخ المهدي مثل ذلك وأنهم يريدون تعويضهم من أطيان الجمهور فقال الملتزمون إن بيدنا الفرمانات والتمسكات من سلفكم بونابارته ومن السلاطين السابقين ونوابهم وقائمون بدفع الخراج وأنهم ورثوا ذلك عن آبائهم وأسلافهم وأسيادهم وإذا أخذ منهم الالتزام اضطروا الى الخروج من البلد والهجاج وخراب دورهم ويصبحون صعاليك ولا يأتمنهم الناس وطال البحث في ذلك والوكيل مع هذا كله ينكر وقوع ذلك مرة ويناقش أخرى الى أن انتهى الكلام بقوله إن الكلام في هذا وأمثاله ليس من وظيفتي فإني حاكم سياسة الشريعة لا مدبر أمر البلاد نعم من وظيفتي المعاونة والنصح فقط‏.‏

وفي خامس عشرينه اتفق أن جماعة من أولاد البلد خرجوا الى النزهة جهة الشيخ قمر ومعهم جماعة آلاتية يغنون ويضحكون فنزل إليهم جماعة من العسكر الفرنساوية المقيمين بالقلعة الظاهرية خارج الحسينية وقبضوا عليهم وحبسوهم وأرسلوا شخصًا منهم الى شيخ البلد بليار وأخبروه بمكانهم ليستفسر عن شأنهم فلقيه ثم رده الى القلعة الظاهرية ثانيًا فبات عند أصحابه ثم طلبهم في ثاني يوم فذهبوا وصحبتهم جماعة من العسكر بالبندق تحرسهم فقابلوه ومن عليهم بالإطلاق وذهبوا الى منازلهم‏.‏

وفيه منعوا الآغا والوالي والمحتسب من عوائدهم على الحرف والمتسببين فإنها اندرجت في أقلام العشور ورتبوا لهم جامكية من صندوق الجمهور يقبضونها في كل شهر‏.‏

واستهل شهر شعبان سنة 1215 فيه أجيب الملتزمون بإبقاء التزامهم عليهم وأنكروا ما قيل في رفع أيديهم وعوتب من صدق هذه الأكذوبة وإن كانت صدرت من الخازندار فإنما كانت على سبيل الهزل أو يكون التحريف من الترجمان أو الناقل‏.‏

وفيه حضر التجار الى الديوان وذكروا أمر المليون وأن قصدهم أن يجعلوه موزعًا على الرؤوس ولا يمكن غير ذلك وطال الكلام والبحث في شأن ذلك ثم انحط الأمر على تفويض ذلك لرأي عقلاء المسلمين وأنهم يجتمعون ويدبرون ويعملون رأيهم في ذلك بشرط أن لا يتداخل معهم في هذا الأمر نصراني أو قبطي وهم الضامنون لتحصيله بشرط عدم الظلم وأن لا يجعلوا على النساء ولا الصبيان ولا الفقهاء ولا الخدامين شيئًا وكذلك الفقراء ويراعى في ذلك حال الناس وقدرهم وصناعتهم ومكاسبهم ثم قالوا نرجو أن تضيفوا إلينا بولاق ومصر القديمة فلم يجابوا الى ذلك لكونهم جعلوهما مستقلين وقرروا عليهما قدرًا آخر خلاف الذي قرروه على مصر‏.‏

وفيه لخصوا عرضًا ولطفوا فيه العبارة لساري عسكر فأجيبوا الى طلبهم ما عدا بولاق ومصر القديمة وأخرجوا من أرباب الحرف الصيارفة والكيالين والقبانية وجعلوا عليهم بمفردهم ستين ألف ريال خلاف ما يأتي عليهم من المليون أيضًا يقومون بدفعها في كل سنة والسر في تخصيص الثلاث حرف المذكورة دون غيرها أن صناعتهم من غير رأس مال‏.‏

وفيه أفردوا ديوانًا لذلك ببيت داود كاشف خلف جامع الغورية وتقيد لذلك السيد أحمد الزرو وأحمد بن محمود محرم وابراهيم أفندي كاتب البهار وطائفة من الكتبة وشرعوا في تحرير دفاتر بأسماء الناس وصناعاتهم وجعلوها طبقات فيقولون فلان من نمرة عشرة أو خمسة أو ثلاثة أو اثنين أو واحد ومشوا على هذا الاصطلاح‏.‏

وفيه أبطلوا عشور الحرير الذي يتوجه من دمياط الى المحلة الكبرى‏.‏

وفيه أرسل ساري عسكر يسأل المشايخ عن الذين يدورون في الأسواق ويكشفون عوراتهم ويصيحون ويصرخون ويدعون الولاية وتعتقدهم العامة ولا يصلون صلاة المسلمين ولا يصومون هذا جائز عندكم في دينكم أو هو محرم فأجابوه بأن ذلك حرام ومخالف لديننا وشرعنا وسنتنا فشكرهم على ذلك وأمر الحكام بمنعهم والقبض على من يرونه كذلك فإن كان مجنونًا ربط بالمارستان أو غير مجنون فإما أن يرجع عن حالته‏.‏

وفيه أرسل رئيس الأطباء الفرنساوي نسخًا من رسالة ألفها في علاج الجدري لأرباب الديوان لكل واحد نسخة على سبيل المحبة والهدية ليتناقلها الناس ويستعملوا ما أشار إليه فيها من العلاجات لهذا الداء العضال فقبلوا منه ذلك وأرسلوا له جوابًا شكرًا له على ذلك وهي رسالة لا بأس بها في بابها‏.‏وفي